Tag Archives: هارلى دافيدسون

مذكرات الفزبا الحمرا – (2) أبى فوق الهارلى

Standard

Scooter Diaries - Banner

الحلقة الثانية: أبى فوق الهارلى!

مارس 2013 … يوم ممل آخر من أيام العمل التى تدوربلا انقطاع كطاحونة هواء فى شتاء دائم. يصلنى ايميل يحمل علامة النشرات العامة، تلك النوعية من الايميلات التى نادراً ما نكترث لها كموظفين، ويكون مصيرها فى الأغلب هو ضغطة صغيرة على مفتاح Del تلقى بها إلى غياهب سلة تدوير المهملات. إلا ان العنوان هذه المرة جذب اهتمامى بشكل خاص، واستوقف سبابتى فى منتصف طريقها إلى المفتاح الماحى الرهيب.

Riders Club .. كانت الكلمتين اللتان دفعتانى لفتح الايميل، فإذا به يحمل دعوة للقاء تعارف بين كل هواة وممارسى رياضة ركوب الدراجات بمختلف أنواعها، نارية وهوائية، من موظفى الشركة الكرام. حسناً، لم أكن يوماً من هواة هذه ولا تلك، ولكن الدراجات النارية أو الموتوسيكلات بالذات أحمل لها نوع غريب من الحنين الذى تمكن من قلبى وجعل عيناى تومض بالقلوب الحمراء، وتشع حول رأسى هالة بألوان قوس قزح كلما ذُكرت أمامى أو رأيت أحدهها. هذا بالرغم اننى لم أركبها فى يوم من الأيام ولو على سبيل التجربة، ولم أحاول حتى ان أقترب منها من قريب أو بعيد.

بيد ان ما ذكرته لتوى ليس صحيحاً بشكل كامل. فالحقيقية ان الموتوسيكلات قد احتلت جزء مميز من وجدانى منذ ان وعيت السمع والإبصار أصلاً. بل ان كلمة “فسبا” نفسها هى – صدق أو لا تصدق – من أوائل الكلمات التى نطقت بها على الإطلاق قبل حتى ان يستوى لسانى بكلام مفهوم!

كنت –ومازلت – طفلة عنيدة بطبعى، كنت أرفض تناول الطعام فى أغلب الأحيان، وكان على والداى محايلتى فى كل وجبة، تارة بإلهائى فى لعبة ما، وتارة بإظهار الغضب والتعنيف – واليوم اتلقى كل التعنيف بسبب كثرة أكلى وزيادة وزنى، وهذا إن دل فإنما يدل على انك لا تستطيع إرضاء أهلك أبداً يا صديقى! – وكان من جملة ما أخترعه والدى من أساليب المحايلة، هو وضعى على الإفريز الداخلى لأحد الشبابيك العملاقة فى بيتنا عتيق الطراز، وإلهائى بذكر لون السيارات المارة فى الطريق، فأصير أكرر من ورائه بحروف مكسورة: “عبّية – أى عربية” – حمرا” … عبّية صفرا. وهكذا. إلى ان تمر “فسبا” فأنطقها بسهولة، وبنفس درجة الحماس المنعكسة فى صوت أبى نفسه!

            نعم، كان أبى يعشق قيادة الدراجات النارية، تلتمع عيناه حين يتحدث عنها، وتعلو وجهه ابتسامة مشرقة كمن يفكر فى حبيبته كلما ورد ذكرها أمامه. وان لم يكن هذا العشق قد انتقل إلى عبر الجينات، فلابد انه انتقل إلى بسبب التعرض المتواصل طوال سنوات طفولتى الأولى لكمية مكثفة من محفزات الذاكرة المتعلقة بالدراجات النارية، إما عبر حكايات أبى التى لا تنتهى عنها، أو عبر الصور الفوتوغرافية التى يمتلكها.

            فحين كبرت قليلاً ونمت قدرتى على الإستيعاب، نما لدى معها ولع غريب بالصور الفوتوغرافية، وكان أبى يمتلك منها العشرات، بل المئات. صور أبيض وأسود ذات برواز أبيض بهتت أطرافه وعلاها الإصفرار، يحمل معظمها وجه أبى فى مراحله العمرية المختلفة، بين أسرته وعائلته تارة، وأصدقائه أو زملاؤه فى العمل تارة آخرى. كان أبى يحتفظ بتلك الصور فى درج خاص يمتلك هو وحده مفتاحه، وكنت ألح عليه كل فترة ليسمح لى بالإطلاع عليها، فيخرجهم بحرص شديد، ويشرف على عملية إطلاعى عليهم، مشاركاً أحياناً بوصف المكان الذى التقطت فيه هذه الصورة أو تلك، أو صلة القرابة بينه وبين الرجل الواقف بجواره، وربما توقف عند صورة بعينه فيضحك لأنها ذكرته بموقف طريف فيحكيه لى.

وكان من أكثر هذه الصور القديمة تميزاً، تلك التى يظهر فيها أبى وهو فى العشرينات من عمره، مرتدياً ملابس صيفية ناصعة البياض، وقد استقر فوق “فسبا” عتيقة الطراز، وإن دلت حالتها على انها كانت حديثة “ع الزيرو” وقت إلتقاط الصورة، بينما يشير التاريخ المختوم بخاتم عتيق على خلفية الصورة انها قد التقطت فى سبعينات القرن الماضى.

644619_477308799008673_1846908144_n

ثم هناك صورة آخرى، يبدو فيها أبى أكثر شباباً، حيث لم يتعدى السابعة عشر من عمره تقريباً، وقد خط شاربه، وجلس فوق موتوسيكل “هارلى ديفيدسون” يبدو شديد الضخامة مقارنة بجسده شديد النحول، وقد استقر حذائه الجلدى بنى اللون الذى تحمل مقدمته اللون الأبيض مثل أحذية أنور وجدى على دواسة ناقل السرعة اليسرى فى وضعية تحمل أعتى علامات الإفتخار والكبرياء، بينما تبدو من خلفه الكبائن الخشبية التى كانت تميز شاطىء ميامى بالإسكندرية فى تلك الحقبة من الخمسينات.

DSC05242

وإن كان أبى قد أخفى عنى الكثير من مغامراته الشيقة فى تلك الفترة من عمره، إلا ان أبناء عمومتى الذين عاصروا تلك الفترة قد “فتنوا عليه”، فروا لى الكثير من الحكايات الطريفة. منها مثلاً ان عمتى وابنتها كانتا يركبان الترام ذات يوم – وكان وقتها يمر عبر شارع شبرا الرئيسى – فإذا بجميع من فى العربة يتجه إلى النوافذ اليمنى وقد اتسعت أعينهم فى اندهاش – وربما ذعر – كان هناك شاب قد انتصب واقفاً فوق موتوسيكل وهو ينطلق بسرعة فى محاولة للتسابق مع الترام! علقت عمتى متسائلة “مين الواد المجنون ده؟ حد يخاطر بنفسه كده؟” … فما كان من ابنتها إلا ان أجابتها فى بساطة: “ده أخوكى!”.

لا يمكننى الجزم بمدى صحة تلك الواقعة وغيرها بالقطع، لسبب بسيط هو أن أبى يصر على إنكارها، ربما ليحتفظ بالحق فى تقريعى على تهورى وجنونى، خاصة وقد فلت العيار ولم يتمكن من إثنائى عن ركوب الموتوسيكلات نفسه، وربما هو يصر على الإنكار خوفاً من ان يتطور اهتمامى من مجرد ركوبى للموتوسيكلات، إلى الإتيان بحركات بهلوانية كما كان يفعل هو منذ عدة عقود.

10006925_637167369689481_299878878_n

وسواء انتقلت القدرات البهلوانية مع نفس جينات قيادة الموتوسيكلات فى دمى أم لا، تبقى الحقيقة الجلية ان تلك الصور الخاصة بال”هارلى” الذى امتلكه أبى يوماً ما وهو بعده شاب غرير يتلقى مصروفه من أبيه، و”الفسبا” التى إشتراها من حر ماله فيما بعد حين دعته الظروف إلى ذلك، قد ظلت عالقة فى ذهنى لفترة طويلة، وقد شكلت جزء غير يسير من ذكريات طفولتى الأولى، ورغم ذلك، لم تراودنى نفسى إطلاقاً طوال تلك السنوات ان اتبع سنة أبى فأتحول بنفسى إلى ركوب الموتوسيكلات. هذا إلى ان كان ذلك اليوم الذى وصلنى فيه الايميل اياه، وذهبت للقاء أول “ركّيبة” موتوسيكلات عرفتهم فى حياتى بعد “الركيّب” الأول، ومعلمى الأول – حتى لو كره هو اليوم ان يكون سبباً فى ركوبى للموتوسيكل – أبى العزيز عادل حليم.

شيرين عادل

28 April 2014

Advertisements