Tag Archives: فرسكا

مذكرات الفزبا الحمرا – (1) الشخليلة ولا اليويو

Standard

Scooter Diaries - Banner

 

الحلقة الأولى: الشخليلة ولا اليويو

  فى سنة 2006 تقريباً، توجهت مع أبى وأمى إلى أحد معارض السيارات القريبة فى مدينة نصر. وذلك لمعاينة بعض السيارات هناك، بنية شراء سيارة جديدة طبعاً. كنت قد حصلت منذ عدة شهور على وظيفة من التى يطلقون عليها “محترمة” – على أساس ان ما دونها هو الرقص أو ما هو أسوأ؟ – وصار لى دخل ثابت من الذى يطلق عليه “محترم” كذلك – كأن ما دونه هو نقطة أفراح ايضاً! – فأخذ والدىّ فى الإلحاح المتواصل لإقناعى بتغيير سيارتى القديمة نسبياً بأخرى جديدة خاصة وان الأقساط تناسب مرتبى ولن ترهقنى كثيراً. نعم أنا فتاة مدللة وحيدة أبواى، صحيح، لكن التدليل لا علاقة له بالأمر هذه المرة، فالبنوك الآن تقوم بدور رائع فى تدليل كل مواطن مصرى بوجه عام، من خلال خدمة “قرض السيارة”، الذى يتيح لأى موظف الحصول على سيارة جديدة مقابل اقتطاع جزء لا بأس به من مرتبه لفترة قد تطول لتصل إلى ورثة الجيل الخامس من أحفاده! وبالمناسبة، أنا اعتبر البنوك بخدمتها هذه هى السبب المباشر فى تدهور أحوال المرور فى الشارع المصرى، حيث وفرت بالفعل “سيارة لكل مواطن” … حرفياً! فى أوروبا مثلاً، هناك بعض الدول التى تفرض قوانينها ضرائب ضخمة على كل سيارة زائدة عن السيارة الأولى لكل أسرة، أى من حق كل أسرة ان تمتلك سيارة واحدة فقط بضريبة عادية بسيطة، أما لو أراد أكثر من فرد فيها ان يمتلك سيارته الخاصة، فعليه ان يتحمل ضرائب طائلة من أجل ذلك.

هكذا يا سادة، ضاربة بتلك القوانين الأوروبية اللئيمة عرض الحائط، عدت إلى ذلك المعرض الفخم فى أرض الوطن، حيث رحب بنا مسئول المبيعات ترحيب مبالغ فيه كالعادة وكأن هذا الترحيب كفيل بأن نقول له “أعطينى ست حبات” على رأى “أحمد مكى”، ثم لم يلبث ان اصطحبنا فى جولة بين السيارات المعروضة: هذه السيارة الزرقاء بها جميع الكماليات ولكنها مانيوال، وتلك الذهبية بها نصف كماليات لكنها أوتوماتيك، وإذا دفعت مبلغ “س” كمقدم يكون القسط “ص” .. إلى آخر “حسبة البرمة” التى لابد ان يخوضها كل من سعى لشراء سيارة “زيرو”. قديماً قال أحد الحكماء: إذا أردت ان تدفع إمرأة إلى الجنون، فأعطها عدة خيارات. أعتقد ان الرأسمالية الحديثة تدفع الجميع – وليس النساء فقط – إلى الجنون بصورة بطيئة ويومية. ان مبدأ “الشخليلة ولا اليويو” صار كابوساً حقيقياً يطاردنا فى كل خطوة نتخذها.

17885045-illustration-of-car-sale--a-customer-choosing-a-car-of-his-her-choice-from-different-types-of-cars-o

أخذت اتنقل بين السيارات، دون ان يكون لدى أدنى فكرة عن نوعية السيارة التىأرغب فيها حقاّ. بالنسبة لى، وأعتقد بالنسبة للغالبية من النساء بوجه عام، الموضوع يتعلق بالشكل لا بالمضمون. عملية اختيار سيارة تقتصر على بعض المفردات الأساسية البسيطة التى تعبر عن شيئين لا ثالث لهما. الأول هو اللون؛ مثل “أحمر”، “أزرق”، “أخضر”، إلخ، إلى جانب عدد من الألوان التى يعجز الرجال عن رؤيتها بقدرات أعينهم المحدودة التى لا ترى سوى الألوان الأساسية فقط، من تلك الألوان التى يراها النساء دون الرجال مثلاً: “البيستاج” (الذى يختلف قطعاّ عن الأخضر الزرعى) و”البترولى” (الذى هو لون مائع يتأرجح متردداً بين الأخضر والأزرق) و”الفوشيا” (الذى يختلف جذرياً عن البمبى) و”الليلا” (الذى يختلف تماماً عن كل من “الموف” و”البتنجانى” و”البربل” – البربل ده اللى هوه البتشنجانى برضو بس برقة ودلع). أما الشىء الثانى الذى يعتمد عليه اختيار الأنثى لسيارتها فهو شكل السيارة أو حجمها، مثل “السيدان” أو”الهاتشباك” أو ببساطة “العربية العالية” (وهذه كلمة مطاطة تندرج تحتها أى سيارة ذات سقف مرتفع نسبياً بغض النظر عن كونها دفع رباعى أم لا).

هذه المفردات السهلة الممتنعة لا ترقى بالطبع إلى طموحات الرجال، الذى يرتفع سقف مطالبهم فى السيارة إلى أشياء تقاس بالسعة اللترية وعدد السلندرات ونظام الفرامل إلخ إلخ. ربما كان الاستثناء الوحيد الذى عرفته فى حياتى هو ذلك الصديق الذى اختار سيارته بناءاً على صلاحية عجلة القيادة للاستخدام كطبلة! كان صديقى هذا متردداً بين سيارتين، فحسم أمره أخيراً بأن جلس وراء عجلة القيادة فى كل منهما، وأخذ ينقر الجزء الذى يصل بين اللوحةالأمامية (التابلوه) وعجلة القيادة، ففازت بملكيته لها تلك السيارة التى أتاحت له صوت أعلى وسهولة أكثر فى التطبيل!

المهم، وأنا فى خضم هذه الصراعات النفسية المريرة ما بين السيارة الزرقاء الهاتشباك كاملة الكماليات ذات السعر المعقول، وتلك السيدان الذهبية الأوتوماتيك ناقصة الكماليات، وإذ بعينى تقع عليه للمرة الأولى (جدير بالذكر هنا أنى لم أكن مرتبطة فى تلك الفترة!).

كان أصفر اللون كبدلة “هنيدى” فى فيلم “صعيدى فى الجامعة الأمريكية”، أى “واقع فى برطمان مسطردة” كما سخرت منه “منى ذكى” فى الفيلم كذلك. دواخله سوداء أنيقة، وكرسيه مكسو بالجلد الأسود اللامع. غمز لى بفانوس إشارته اليمين، فإذا بى أتقدم نحوه لا إراديا كما لو كانت به قوة مغناطيسية هائلة.  وضعت يدى على مقبضه فى رهبة، وتسمرت أمامه فى لحظة صمت مطولة، وكأننى أقف فى محراب لوحة فنية عميقة. انتزعنى من جلال الموقف هذا صوت مسئول المبيعات الذى اقترب منى وهو مازال يشرح فى مميزات سيارة ما لم يعد لدى أدنى اهتمام بها الآن، فقاطعته فى حزم: “بكام دا؟”. تسمر هو بدوره وفغر فاه للحظة، ثم تمتم متردداً وهو ينظر إلى والدى فى توجس: “ستة آلاف!”. عندها تهلل وجهى والتفت إلى أبى متسائلة فى براءة: “طب ماله ده؟ رخيص وشكله شيك ومش هضطر أدفع حتى أقساط. ده كله على بعض مايجيش نص تمن مقدم عربية!”. لو كان التريث والحكمة قد منحانى الوقت الكافى لتأمل تأثير كلماتى على والدىّ لتوقعت ان يسخرا منى أو حتى بافتراض أقصى درجات الأحلام الوردية لتوقعت ان يناقشانى فى الأمر فيلقيا على مسامعى تلك المحاضرة المطّولة عن عدم ملائمة ركوب دراجة نارية لثقافة مجتمعنا، أو عن خطورة القيادة فى مصر، أو حتى عن المستوى الإجتماعى، إلخ. لكن الحقيقة ان رد فعلهم فاق حتى أكثر توقعاتى جموحاً. لقد سمعا سؤالى البرىء، فالتفا بهدوء شديد إلى مسئول المبيعات وأكملنا أسئلتهما الشيقة عن الفروق الأساسية بين السيارة الزرقاء الهاتشباك كاملة الكماليات ذات السعر المعقول، وتلك السيدان الذهبية الأوتوماتيك ناقصة الكماليات!

أنتهت رحلتنا القصيرة إلى معرض السيارات بقرارين هامين، أولهما أننى لن أتطرق إلى موضوع قيادة سكوتر أو دراجة نارية مرة آخرى – على الأقل حتى حين. ربما ليقينى التام انه من رابع المستحيلات ان يسمح لى أهلى بذلك. وربما ايضاً – وهو السبب الأقرب إلى الحقيقة – هو أننى لم أكن مقتنعة تماماً بالفكرة فى تلك الفترة، ولم تتمكن منى الرغبة التامة فى قيادة دراجة نارية التى قد تدفعنى للاقدام على ذلك. لم أكن أعلم وقتها ان الأمر سيتطلب سبعة سنوات كاملة، وكثير من الأسفار والترحال، وزواج وبيت و”إستشيكرار”، وثورة وانقلاب وثورة ثانية وانقلاب آخر (ثورة حقيقية فى البلاد وانقلاب عسكرى وليس تعبير مجازى!) حتى أقدم على إتخاذ تلك الخطوة المهمة فى حياتى، فأقوم بشراء “سكوتر” فى أحد أيام 2013، بنفس السهولة التى أشترى بها كيس المناديل فى إشارة المرور. ولذلك قصة آخرى.

آه. نسيت ان أذكر ان القرار الثانى الذى اتخذته فى ذلك اليوم هو ألا أشترى سيارة جديدة إطلاقاً. لقد تمردت على فكرة الإختيار فى حد ذاتها وألقيت بالشخليلة واليويو كلاهما فى أقرب صفيحة قمامة. ومازالت سياراتى المدعوة “صابرين” صابرة ومثابرة معى حتى لحظة كتابة هذه السطور 🙂

شيرين عادل

24 April 2014

Advertisements