مذكرات الفزبا الحمرا – (6) “كى جى 1” سكوتر

Standard

Scooter Diaries - Banner

أول خروج لى إلى الشوارع الرئيسية بالسكوتر كان فى شارع النزهة بمصر الجديدة، بعد ان أشتريته من المحل وصممت أن انطلق به إلى مدينة نصر وحدى. فى تلك الليلة الميمونة أدركت أخيراً معنى تعبير أدبى فصيح  لطالما قرأته فى قصص الرعب العربية أو المترجمة إلى العربية ولم أفهم معناه حتى تلك اللحظة التى مشيت فيها وسط السيارات المسرعة محاولة ان أخرج إلى شارع الثورة ثم قطع الشارع بطريقة شبه عرضية للوصول إلى الملف الراجع باتجاه دار الإشارة. كان هذا التعبير الأدبى البليغ هو “ارتعدت فرائصه”. وأنا لازلت لا أفهم تماماً ما هو موقع تلك “الفرائص” من جسد البنى آدم يوجه عام، ومع ذلك لا شك عندى ان فرائصى وشعر رأسى وكل خلية فى جسدى قد ارتعدت فى تلك الليلة مع محاولاتى الخرقاء المتخبطة للمرور بين السيارات، يكاد جسدها المعدنى يحتك فى لحم جسدى، ويرتعش بدنى فلا أعرف إن كان يهتز خوفاً أم برداً إثر لفحات الهواء المتتالية التى يُحدثها تفريغ ضغط الهواء لذى مرور السيارات المسرعة بجوارى.

أول يوم فى “كى جى 1” السكوتر لا يفرق كثيراً عن أول يوم “كى جى 1” فى المدرسة. نفس الإحساس المقيت أنك طفل وحيد ضعيف وسط غابة من العمالقة. أنت وحدك فى مواجهة العالم. أنت “نوح” وعليك ان تقود مركبتك إلى بر الأمان عبر طوفان متلاطم الأمواج من السيارات والناقلات والماكينات والبشر. عليك ان تردد لنفسك طوال الوقت “أنت بخير. لن يحدث لك شىء. ان الأمر أسهل من ركوب الدراجة الهوائية، وأنت تركب الدراجة الهوائية منذ ان كان عمرك سبع سنوات. هيا. لا تكن جباناً” وأنت تحاول ان تتناسى حقيقة ان عمرك لم يعد 7 سنوات، وان ثقل وزنك وحده كفيل بجعل سقوطك مدوياً فمابالك باحتمالية سقوطك إثر تصادم عنيف مع هيكل حديدى عملاق مثل هيكل سيارة؟

hepburn-vespa-roman-holiday

مر أول يوم فى “كى جى 1” بسلام ولله الحمد. وصلت إلى مدينة نصر حيث قابلت صديقتى التى أعطتنى حصة القيادة هذا الصباح، لأترك السكوتر فى الجراج الخاص بالعمارة التى تسكن بها. لا أستطيع ترك السكوتر عند أهلى فى مدينة نصر، رغم ان منزلهم يقع على بعد شارع واحد من منزل صديقتى، وذلك لسبب بسيط جداّ؛ أننى لا أنتوى إطلاقاً إطلاعهم على سر شراء السكوتر فى الوقت الراهن، تفادياً لحرب شعواء أعلم علم اليقين حتمية شنها من قبل أمى ضد الفكرة من أساسها.  فى نفس الوقت، كنت لا أمتلك خطة واضحة للأيام المقبلة، ولكنى أعلم تماماً بعد هذه التجربة المروعة من الخوض العشوائى فى المرور هذه الليلة انه من المستحيل ان أقود هذه الآلة المميتة من مدينة نصر إلى شبرا. على الأقل ليس قبل ان أتمكن من قيادتها وأمتلك زمامها تماماً.

هكذا قضيت الأيام التالية متبعة برنامج صارم من التدريب اليومى على القيادة. فى كل صباح  أنتقل من منزلى فى شبرا إلى جراج صديقتى بمدينة نصر عن طريق السيارة، فأترك تلك الأخيرة هناك وآخذ السكوتر لأذهب به إلى مقر عملى عند “سيتى ستارز” بمدينة نصر. المسافة قصيرة، أقطعها فى مدة زمنية لا تتعدى عشر دقائق، ولكنى كنت تدريجياً أخترع المشاوير المختلفة أطيل من فترة قيادتى للسكوتر، فتارة أتخذ طريق أطول إلى مقر عملى، وربما درت دورتين حول المنطقة قبل ان أتوقف عنده،  وتارة أخرى أذهب إلى سوبرماركت بعيد لأشترى بعض مستلزمات المنزل قبل عودتى إلى سيارتى لتصطحبنى إلى المنزل بعد ان أترك السكوتر مرة آخرى فى الجراج بمدينة نصر.

أما ما حدث فى تانى يوم “كى جى 1″، فكان جديراً بمنحى شهادة البكالوريوس مباشرة. والحكاية ببساطة أننى استيقظت فى اليوم التالى لشرائى للسكوتر، وهو نفس اليوم الذى ركبت فيه سكوتر للمرة الأولى فى حياتى، وكنت فى حالة من الحماسة أكاد أطير معها من شبرا إلى مدينة نصر حتى أتمكن من وضع يدى على مقبض السكوتر الأحمر مرة أخرى، واسمع صوت “الزنة” المحبب للموتور الخاص به. هكذا ذهبت إلى مكتبى وركنت السكوتر تحت بصر رجال الأمن بالمبنى. كان هناك العديد من اللغط والنظرات المتفاجأة من جميع العاملين بالمكان، لكنى كنت فى نشوة وسعادة تجعلنى فى عالم خاص منفصل عنهم تماماً. وفى أثناء اليوم، كان علىّ ان اقوم بمشوار قصير إلى محطة الأتوبيسات ب “ألماظة” لقطع تذاكر السفر تحضيراً لرحلة قريبة. ولما كنت أكره المشاوير المنفردة فى المعتاد، فقد دعوت صديقتى فى العمل لمرافقتى، وهى ألمانية تعيش فى مصر منذ سنوات. ربما كانت جنسيتها سببا فى تفتحها وتقبلها لفكرة ركوب السكوتر فى شوارع المحروسة وراء مبتدئة فى القيادة مثلى، وربما لأنها كانت تركب واحداً مثله فى ألمانيا وقد “حنّت” إلى أيام “الشقاوة”، وربما لا هذا ولا ذاك، بل هى مغامرة غير محسوبة العواقب من ناحيتها وتهور لا داعى له من ناحيتى.

هكذا انطلقت إلى وجهتى القريبة، أنا فى ملابسى الصيفية التى لا تخفى شيئاً من كونى امرأة، ومن خلفى صديقتى الألمانية يتطاير شعرها الأشقر من خلفها بينما تحجب نظارتها السوداء الشمس عن عينيها الزرقاوان. كان مشهداً جديراً بلقطة من فيلم تدور أحداثه على كورنيش “فلوريدا” الأمريكية وليس شارع “عمر بن الخطاب” بقلب القاهرة!

كنت أحاول جاهدة التحكم فى السكوتر الذى صار يرزح تحت ثقل فردين لا فرد واحد. كانت قيادتى قد شهدت تحسناً طفيفاً عن الليلة السابقة، لا سيما فى ضوء النهار المريح للأعصاب. ووصلت  إلى المحطة بنجاح ساحق، وعدت منها سليمة فى قطعة واحدة وكذلك رفيقتى. أما ما حدث فى الصباح التالى فكان العجب العجب.

ان من عادتى حين يرن المنبه المضبوط فى هاتفى المحمول  فى الصباح الباكر ان أغلقه ثم أقوم بتصفح الفيسبوك لبضعة دقائق حتى أساعد ذهنى على الاستيقاظ وعدم الاستسلام للنوم مرة أخرى. وفى ذلك الصباح، فى اليوم الثالث لشرائى لسكوتر، كان أول ما فتحت عينى عليه هو تنبيه من الفيسبوك ان أحد الأصدقاء قد ذكر اسمى تعليقاً على أحد الصور المنشورة فى صفحات من الصفحات الكبيرة التى تجمع أصحاب ومحبى السكوتر فى القاهرة.  فتحت الصورة، فإذا به صورة لفتاة تركب سكوتر أحمر اللون ومن وراءها فتاة شقراء ترتدى نظارة سوداء!

بالطيع قفزت من السرير من هول المفاجأة وقد طار النوم من عينى تماماً وحل محله خليط من الاتبهار والسعادة. تخيل معى ان فى اليوم الأول لركوبك السكوتر يسجل أحدهم تلك اللحظة وتصبح أنت لتجد صورتك معروضة على الملأ تحفها عبارات الثناء والاستحسان لشخصك المتواضع! كان التعليق المكتوب على الصورة يحمل إعتذاراً من صاحبها على تصويره لنا بدون علمنا، ويعبر عن سعادته لوجود فتيات يخضن تجربة ركوب السكوتر بجرأة وشجاعة. وإذا بصديقنا الذى أشار لى على الصورة يعلّق موضحاّ ان هذا كان اليوم الأول لركوبى السكوتر، والرجل صاحب الصورة لا يصدقه. جدير بالذكر ان هذا الرجل الذى التقط لنا الصورة صار صديقاً شخصياً لى ولزوجى وسافرنا معاً فى رحلة خاصة للموتوسيكلات بعد هذه الواقعة بشهور عديدة.

شيرين عادل

11 November 2014

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s