مذكرات الفزبا الحمرا – (5) الفيسبا الحمراء

Standard

Scooter Diaries - Banner

وقفت داخل ذلك المعرض الصغير بمصر الجديدة، الذى تفترش أنواع متعددة من الموتوسيكلات المختلفة الرصيف والشارع قبالته، وأخذت أتأمل فى ألوان وأشكال مختلفة من الخوذ. بالطبع كان كل ما أراه وقتها هو الألوان والأشكال بالفعل، فلم أدرك بعد ان هناك أنواع متعددة من الخوذ تختلف طبقاً لتصميمها وطرازها وشهادات الجودة المصاحبة لها التى تضمن لك معدلات متفاوتة من الأمان والسلامة، إلخ. كانت النية المبيتة لدى هو شراء خوذة كخطوة تمهيدية لشراء السكوتر نفسه. أنا أكره التردد بشدة، وأحب ان أقطع على نفسى وعلى الآخرين تلك المرحلة المضيعة للوقت بإتخاذ قرارات حاسمة فى أضيق فترة زمنية ممكنة.

أما عن الفترة الزمنية الفاصلة بين حصة التعليم المجانى التى تلقيتها فى نهار ذلك اليوم (انظر الحلقة السابقة) وفقرة شراء الخوذة تلك فلم تتعد ال4 ساعات. فقد انهيت شغلى ذلك اليوم وأنا مازلت أقلب الموضوع فى رأسى، وإن زاد علىّ حماسة التجربة التى خضتها قبل ساعات. هكذا وجدتنى أكسر مقود السيارة أوتوماتيكياً لأنطلق إلى مصر الجديدة بدلاً من البيت.

استقر إختيارى على خوذة بيضاء لامعة، ذات واقى زجاجى متحرك للوجه. تصميم يطلق عليه “نصف وجه”. ثم أرتأيت ان أسأل صاحب المحل عن نوعية معينة من السكوتر. لقد استقر العزم على شراء واحد من ذلك الطراز بالذات بعد قيامى ببحث سريع على الانترنت وبسؤال الأصدقاء عن أفضل الأنواع المناسبة لميزانيتى، وإن كان السبب الرئيسى لإختيارى له هو شكله الكلاسيكى المميز المشابه لل”فيسبا” الإيطالية الأصلية. أخبرنى الرجل ان هذه النوعية بالذات قد نفذت وان الدفعة القادمة منها سوف تصل إلى مصر فى غضون ثلاثة أسابيع. أصبت بشىء من الإحباط وعزمت على البحث عن ذلك السكوتر فى معارض أخرى فى الأيام القادمة، وهممت بالرحيل. ولكنى لمحته يقف بالخارج أمام المحل. كان مميزاً بلونه الأحمر القانى، وسط عدد من السكوترات البيضاء والرمادية. كيف لم ألحظه عند دخولى؟

أشرت إليه وسألت الرجل: “طب وده؟ ده متباع ولا ايه”. فأخبرنى أنه متاح للبيع ولكنه مستعمل، ثم منحنى المزيد من التفاصيل: “ده يا ستى عامل 900 كم وصاحبته بنت زيك برضو مركبتوش غير كام مرة ولسه حتى مترخصش”. توجهت إليه مباشرة وأخذت أدور حوله بينما القرار يدور فى الاتجاه المماثل تماماً داخل رأسى. أدركت من الخدوش المتعددة بجانبه الأيسر أن السبب فى تخلى صاحبته عنه فى الغالب يرجع إلى حادث بسيط أصدر أهلها بعده فراماناً بضرورة التخلص منه فوراً. بالطبع هذا هو نفس السبب الرئيسى ذو النظرة التربوية المبعدية العميقة الذى أعتبره مسؤولاً بشكل مباشر عن انتاج جيل من الأطقال والشباب فاقدى الطموح والتطلع تماماً بل والقدرة على معالجة مشاكل حياتهم بدلاّ من تفاديها تماماً (السكوتر بيجيب وجع دماغ؟ بلاها سكوتر أصلاً).

لم يستغرق الأمر سوى ثلث الساعة، تخللتها مكالمة قصيرة من صديقى “خالد” الذى “يفهم فى هذه الأشياء” أسأله عن رأيه فى مواصفات السكوتر (كأنما رأيه سيثنينى عما أختمر فى الرأس وأزكمت رائحته أنف السماءّ)، ومكالمة قصيرة مليئة باللف والدوران والشكوك مع زوجى أخبره فيها بعثورى على سكوتر مناسب وأشرح له مواصفاته (اللف والدوران من ناحيتى كى لا أخبره عن نيتى المبيتة فى شراء السكوتر تلك الليلة بالذات، والشكوك من ناحيته لعلمه أننى حتماً شارية إياه ان لم أكن قد اشتريته بالفعل!).

عشرون دقيقة فقط لا غير، كانت كافية لأتخذ القرار الذى غير شكل حياتى إلى الأبد (وتلك الجملة لا تحمل أدنى صيغة مبالغة أو ابتذال، كما سترون بأنفسكم فى الحلقات القادمة. عشرون دقيقة فقط لا غير، كانت كافية لأحمل فى جيبى عقد بيع يثبت ان المدعوة شيرين عادل تمتلك سكوتر “اس واى إم فيدل تو” فئة 150 سى سى أحمر اللون وقد دفعت فيه ستة آلاف جنيه فقط لا غير (كان ثمنه أرخص من السكوتر الجديد بألف وثلاثمئة جنيه حسب سعر السوق وقتها.

53167

:بعد عشرين دقيقة صرت أمتلك سكوتر. والآن، ماذا أفعل؟ سألنى صاحب المحل سؤال وجيه جداً: “انتى بتعرفى تسوقى؟”. فكان بيننا هذا الحوار الشيق

(بص حضرتك .. فى الحقيقة أنا أول مرة أسوق سكوتر فى حياتى كان من أربع ساعات بالظبط (مع ابتسامة عريضة بلهاء وهالة من البراءة تطفو فوق رأسى –

بنظرة متوترة) طيب خلاص، اطلعى بالعربية وهبعت وراكى واحد من عندى يوصلهولك لحد البيت)-

(لا لا … مفيش مشكلة، أنا هسوقه وهبقى أرجع آخد العربية (بنفس الابتسامة والهالة الطافية-

(النظرة تحولت إلى هلع) تسوقيه ايه… مينفعش طبعاً (ومسك لسانه عن كلمة “انتى مجنونة؟)-

لأ عادى، متقلقش. أنا هعرف أسوقه مفيش مشاكل-

مع مماطلة الرجل ونظرات هلعه التى صارت تزداد اتساعا لتتناسب إطرادياً مع لهجة الإصرار المتعالية فى صوتى، اختفت الابتسامة وذهبت هالة البراءة أدراج الرياح وحلت محلهما نظرة متوعدة شريرة وبدأت نبرات صوتى تتحول إلى مشروع بلطجى ممارس عام لسان حاله يقول:  “قصر ولمّ المتكسر يا برنس عشان نعدّى الليلة … أنا دماغى جزمة قديمة تقفيل إيطالى جلد مفتخر وهروّح بالسكوتر النهاردة يعنى هرّوح بالسكوتر النهاردة … ولو طلبت هنيمه فى حضنى فى السرير كمان .. كلمة كمان وهكسرلك المحل ده!”

إزاء هذا الإصرار الطفولى العنيد، لم يملك الرجل المسكين من أمره شيئاً سوى إلقاء وابل من التحذيرات والتوصيات المختلفة على مسامعى، وتركنى انطلق أمامه، بينما وقف هو على باب المحل بجوار أحد العمّال، يشيعانى بنظرات قلقة متوترة فى مشهد درامى يليق بفيلم “ذهب مع الرياح”.

كيف وصلت من مصر الجديدة إلى الجراج بمدينة نصر فى تلك الليلة؟ … لذلك قصة أخرى.

شيرين عادل

10 November 2014

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s