Monthly Archives: October 2014

مذكرات الفزبا الحمرا – (4) أول يوم سكوتر

Standard

Scooter Diaries - Banner

هناك مقولة أمريكية شهيرة مفادها ان “وحده من يقود دراجة نارية يعرف عن حق إحساس الكلب حين يخرج رأسه سعيداً مبتهجاً من نافذة السيارة”. ومن خبر منكم هذه التجربة – أى  قيادة الدراجة النارية – يعرف ان هذه المقولة صائبة تماماً، ولكن قليلون هم من يلاحظون ان مرافقة قائد الدراجة جلوساً على المقعد الخلفى هى التشبيه الأدق لهذا الكلب السعيد! إن المشاهد الحياتية اليومية تمر أمام عينيك فى لوحات بانورامية مثيرة  وأنت مستقر فوق ذلك المقعد الخلفى متحررا من كل شىء، وحين يلامس الهواء المنعش وجهك، تشعر بكل ذرة من المكان تلامس جلدك، ثم تخترقه ليصبحك جسدك قطعة من محيط الوجود ذاته. لعلى لا أبالغ لو قلت انها تجربة تشبه خروج الروح من الجسد والطفو فى الأثير!

ولكن هذا الاحساس الفريد مشروط بالإستسلام التام، ان تنغمس تماماً فى اللحظة، وتنزع عن فكرك كل المخاوف والهتافات العقلية التى تدعوك للصراخ فى كل مرة تتذكر فيها ان كل ما يضمن وجودك فوق المقعد وعدم سقوطك بسرعة 60 كم/س على أقل تقدير هو تشبثك بكتف قائد الدراجة أو خصره. وقد كانت تلك بالظبط هى نوعية الأفكار التى أخذت تدور فى رأسى بلا هوادة فى المرة الأولى التى ركبت فيها السكوتر فى حياتى على الإطلاق، مما أفسد علىّ أى متعة محتملة، وكاد ان يصرف نظرى تماماً عن فكرة إقتناء سكوتر من الأساس.

كان الوقت ظهراً، فى أحد أيام شهر أبريل عام 2013، حين قابلت زميلتى بالعمل التى تركب السكوتر (راجع الحلقة السابقة) من أجل حصة التعليم المجانية التى تكرمت بها على شخصى المتواضع. التقينا أثناء وقت الاستراحة أمام الشركة التى نعمل بها سوياً، وذهبنا إلى حيث تصف هى السكوتر فوق الرصيف المقابل. انتظرت حتى قامت بإنزال السكوتر الأحمر فئة 150 CC من فوق الرصيف ثم ارتقيت بصعوبة الكرسى الخلفى، وذهنى يتسائل فى هلع ان كانت صديقتى التى يصل وزنى إلى ضعف وزنها ستتحمل القيادة بوجود هذا الدرفيل الصغير الذى استقر فوق السكوتر خاصتها؟

لم نكد ننطلق وسط زحام السيارات حتى أدركت ان مشكلة التوازن هى أهون المشاكل فى الوضع الحالى، هناك مثلاً مشكلة ان ظهرك فى العراء التام لا يسنده شىء، وأقل حركة مفاجأة للسكوتر أو قائدته ينذر بإطاحتك من عليه فوراً. هناك كذلك مشكلة “الرُكَب” – بضم الراء وفتح الكاف”، وهى مشكلة لا يفيد فيها قصر أو إرتفاع طول الراكب الخلفى، بل تكمن فى تصميم السكوتر ذاته الذى يحتم على الراكب الخلفى ان يضع قدميه فوق شفتين مرتفعتين ملاصقتين لجسم السكوتر من الخارج، مما يجعل “الركب” نفسها خارج أبعاد السكوتر الحقيقية، فبالتالى لو لم ينتبه قائد السكوتر أثناء مروره بين السيارات لأصاب”ركب” الجالس وراءه فى مقتل، تماماً كما تُسلم مرايات السيارات على أحدها الآخر فينتهى الأمر غالباً بعراك بين أصحابها.

1

وصلنا بسلام إلى ساحة متطرفة لا تدخلها السيارات إلا لماماً، فتوقفت صديقتى على جانب الطريق وأنزلتنى، ثم أخذت تشرح لى كيفية إدارة محرك السكوتر. كان الأمر أسهل بكثير مما توقعت. هناك  صورة مألوفة تستقر فى مخيلتى عن عملية “تدوير” تلك النوعيةمن الآلات: رجل أربعينى غارق فى عرقه يقف على قارعة الطريق وهو يحاول بعنف ان يصغط على مكبس رفيع يقع فى النصف السفلى من جانب “الفزبا” يدعى “المنفلة” – وهى كلمة إيطالية بالمناسبة Manovella استوردها المصريين مع استيرادهم لل”فسبا” الإيطالى فى الخمسينات –  وهو فى نفس الوقت يعالج بيده اليسرى أحد المقابض، ثم أخيراً تستجيب المكنة اللعينة وتصدر صوت كركرة عالية، فيقفز الرجل فوقها مسرعاً قبل ان تغير رأيها وتهمد إلى سكون مرة آخرى. هذه الصورة اختلفت تماماً حين بدأت صديقتى فى الشرح: هذا السكوتر من النوعية الأتوماتيك، وهو يختلف عن ذاك الذى يدار بالمنفلة ويطلق عليه سكوتر “يدوى” أو “مانيوال”. فالسكوتر الأتوماتيك لا يتطلب سوى كبسة على زر صغير يقع أسفل المقبض الأيمن، مع الضغط على المكبح المقابل للمقبض الأيسر الذى يمثل كابح العجلة الخلفية “الفرامل”.

دار السكوتر على الفور، وانطلق صوت الكركرة العالية المحبب إلى نفسى. هكذا انتهت حصة “كيف تدير محرك السكوتر” لتبدأ بعدها بثانية واحد حصة “الفرامل”، وهى تتكون من جملة واحدة بسيطة: “الفرامل المقابلة للمقبض الأيمن تكبح العجلة الأمامية، أما الفرامل المقابلة للمقبض الأيسر فتكبح العجلة الخلفية”. ثم أشارت صديقتى إلى زر صغير يشعل الكشاف الوحيد اليتيم بمقدمة السكوتر، وزر آخر يتحرك يميناً ويساراً ليشعل نور الإشارات الجانبية الأصفر، وأخير زر عريض كبسته فاطلق نفيراً عالياً مزعجاً.

عرفت كل ذلك وقدماى مستقرتان على الأرض تنعمان بأمان الإستقرار والثبات. ثم أشارت لى صديقتى ان أتخذ مجلسى كقائدة للسكوتر واتبع خطوات إدارة المحرك، ثم أزيد السرعة عن طريق إدارة المقبض الأيمن باتجاه الجنوب رويداً رويداً حتى يتحرك السكوتر. فعلت كما أشارت وانتفض جسدى مع النطلاقة العنيفة للسكوتر، يسمنوها “الكيك” أو الركلة، ربما لأنك تشعر معها ان أحدهم قد ركل مؤخرة السكوتر (ولتحمد الله انها ليست مؤخرتك انت شخصياً) ليدفعكما معاً دفعة مفاجأة إلى الأمام.

نجحت بالفعل فى التحرك بالسكوتر دون أية خسائر مادية تذكر. كان الاحتفاظ بتوازنى وتوازن السكوتر هو العامل الرئيسى لنجاح الأمر، فما عدا ذلك من تحكم فى استخدامك لمقبض السرعة والمكابح يرجع لحكمتك الشخصية ومدى تركيزك والتحكم العضلى العصبى لك. هناك حوادث كثيرة يتفاقم تأثيرها بسبب تشبث قائد الموتوسيكل بمقبض السرعة، أو استخدامه الخاطىء للمكابح. أما التوازن فهو بداية تعارفك وتآلفك مع السكوتر، وهو لا يختلف كثيراً عن توازنك على الدراجة الهوائية، إن لم يكن أكثر سهولة بسبب فرق الوزن الكبير بين السكوتر والدراجة، فخفة الأخيرة، ونحافة إطاراتها تجعل التحكم بها أصعب بالتأكيد.

هكذا نجحت فى إكمال دورتين كاملتين بالمكان، ولكننى سقطت على بعد عشرة سنتيمترات من صديقتى الواقفة على جانب الطريق، لأنى أردت التوقف أمامها مباشرة وفوجئت ان سرعتى ستجعلنى على الأرجح أرتمى فى حضنها أنا والسكوتر سوياً، فضغت المكابح بقوة ومفاجأة. انتهى الموقف الأليم بصديقتى سليمة معافاة، وأنا أقف أمامها فى خجل، والسكوتر ممد كجثة هامدة بين أقدامنا.

الأمر الرائع فى هذه الآلات اللطيفة المسماة بالسكوتر، وأخص بالذكر منها ما لم تزد سعته عن 150 CC، ان حجمها الصغير وتصميمها الذى يحمى أرجل قائ
دها تماماً داخل الإطار الخارجى لجسم المكنة يجعل الوقوع بها، بالذات على السرعات البطيئة، أخف وقعاً على قائدها من سقطة الموتوسيكلات، لأن وضعية الجلوس فوق تلك الأخيرة وأرجل قائدها تحيط بجسم المكنة، يحتم ان يسقطا معاً متلاصقين، بينما يستطيع قائد السكوتر بسهولة ان يفصل جسده بالكامل عن السكوتر وقت السقوط، إلى حد الوقوف على قدميه تماماً والسماح للسكوتر بالإنزلاق بين قدميه.

انتهت حصة تعليم قيادة السكوتر الأولى (والتى صارت الأخيرة كذلك) بعد نصف ساعة لا أكثر. ولم تكد تمر ستة ساعات أخرى على هذه الأحداث حتى شرعت فى أول رحلة للسكوتر الخاص بى من مصر الجديدة إلى مدينة نصر فى نفس الليلة.  ولهذا قصة آخرى.

شيرين عادل

13 October 2014

Advertisements