مذكرات الفزبا الحمرا – (3) الإسكندرية/ نيودلهى

Standard

Scooter Diaries - Banner

مارس 2013 .. أدخل قاعة الإجتماعات الأنيقة بالدور العاشر فى شركتنا العامرة. كان هناك عدد قليل من الزملاء يتفرقون فوق المقاعد فى غير انتظام، بينما يقف شخص فى مقدمة الحجرة مواجها الحضور وقد بدت من خلفه شاشة العرض الصغيرة تحمل ذات الكلمتين اللتان لفتتا انتباهى إلى إيميل الدعوة إلى هذا الإجتماع الخارج عن المألوف بالشركة: riders club. بدأ الزميل الذى لم أره فى حياتى من قبل برغم تواجدنا فى نفس المكان لسنوات – وكان هذا هو الحال مع الغالبية العظمى من الحضور ذلك اليوم – بالتعريف بالهذف وراء تأسيس هذا النادى الصغير لراكبى الدراجات، وهو تبادل المعلومات وتشجيع موظفى الشركة على ممارسة رياضة ركوب الدراجة الهوائية أو استخدامها هى أو السكوتر كوسيلة مواصلات يومية للعمل بهدف التغلب على إزدحام الشوارع ومشاكل صف السيارات.

طوال الساعة التالية شرح لنا أحدهم المعلومات الأساسية التى يجب ان يعرفها كل من أراد الدخول إلى عالم الدراجات الهوائية، مثل الأنواع المختلفة للدراجات، والفارق بينهم من حيث السعر والسرعة والأداء إلخ. ثم شرح لنا آخر معلومات مشابهة خاصة بالسكوتر أو الفسبا. إلى هنا والموضوع بالنسبة لى، وربما بالنسبة لقارىء هذه السطور، عادى إلى حد الملل. إلى ان قامت تلك الفتاة ووقفت بجوار المحاضر وبدأت فى مشاركته الرد على الأسئلة حول السكوتر!

كانت تلك الفتاة تركب السكوتر بصورة يومية، وهى أصلاً من الإسكندرية، المدينة التى يجب ان نعترف لها بالفضل فى تبنى ونشر ثقافة ركوب الدراجات منذ عقود طويلة. من منا لم تركب الدراجة فى المعمورة أو العجمى وهى صغيرة؟ والحقيقة ان بدايات انتشار ركوب السكوتر سواء للنساء أو الرجال وسط قطاع عريض من أبناء الطبقة الوسطى جاءت أيضاً من قلب الإسكندرية وأصبح انتشارها ملحوظاً بشدة بالذات فى السنتين الأخيرتين، وتأسس بها أكثر من نادى لركوب الدراجات الهوائية والسكوتر يمارسون أنشطتهم على كورنيش الإسكندرية كل يوم جمعة بهدف الاستمتاع بالرياضة وتشجيع الآخرين على الإنضمام لهم/لهن.

daily1.520933

بدأت علامات الإستفهام تقفز إلى ذهنى الواحدة تلو الآخرى، لا ينافسها فى السرعة سوى انطلاق الكلمات من فمى تسعى وراء إجابات شافية من  الفتاة بخصوص ركوب السكوتر فى شوارع مصر المخيفة، بحفرها ومطاباتها وجنون سائقي ميكروباصاتها وكم مخالفى كل القواعد المرورية والمنطقية على حد سواء،  وأخيراً وليس آخراً: هى الشوارع التى لا تسلم فيها حتى  سائقة السيارة من التحرش اليومى! كانت إجابتها مطمئنة إلى حد دفعنى للشك فى صدقها … بالرغم من انها – الفتاة – تقف أمامى بكامل شحمها ولحمها لا ينقصها ذراع أو قدم وليست مصابة بأى نوع من الحالات النفسية ولا العصبية المزمنة!

انتهى الإجتماع الذى لم تهدأ فيه المعلومات ولا الأسئلة طوال ساعتين باتفاق ودى بينى وبين الفتاة على لقاء قريب تسمح لى فيه بتجربة السكوتر وتعلمنى قيادته. وطوال يومين بعدها لم يهدأ فيهم بالى أبداً. الموضوع جديد وغريب ومغرى ومثير للمشاكل فى نفس ذات الوقت. ولكن ذكرى بعيدة وتجربة ثقافية مختلفة كنت قد خضتها منذ عدة سنوات تبادرت إلى ذهنى وفتحت لى مجال كبير للوصل إلى قرار مصيرى كان من شأنه تغيير نمط حياتى إلى الأبد.

فى أواخر عام 2007 سافرت إلى دولة الهند الشقيقة. وهى شقيقة فعلاً لأن بها الكثير من العادات والتقاليد المألوفة لنا كمصريين. لا سيما فيما يتعلق بالمرأة. ففى الهند المجتمع محافظ إلى حد كبير، ذكورى النزعة بطبيعة الحال، ونظرته عن حقوق المرأة لا تختلف كثيراً عن نظرته إلى حق قرد البابون فى الاستحمام مرتين يومياً، إن الأمر لا يعنيه أساساً من قريب أو بعيد. بل انهم يصلون إلى أبعد من ذلك: فالمرأة هناك هى التى تتقدم إلى الرجل بطلب الزواج، وتتكفل هى وأسرتها بكافة تكاليفه، وللرجل ان يتمنّع ويتشرط لأنه سيتكرم ويتعطف وينقذ الفتاة من مصير يعتبره الهنود وصمة عار لا تغتبر فى جبين الأسرة: ان يطلق على الفتاة لقب “عانس”. ولقب “عانس” هذا يثير ذعر كل بيت هندى ما ان تبلغ البنت فيه سن الثانية أو الثالثة عشر ولم يرغب فيها أحد!! وتظل الأسرة تتودد و”تمسح الجوخ” لكل أسرة قريبة أو بعيدة تجد عندها من الرجال من يصلح “عريساً” لابنتهم. وبعد سلسلة من المحاولات المضحكة لإجبار الشاب والفتاة على اللقاء والحديث معاً، وعدد لا حصر لها من “العزومات” والمجاملات الأسرية اللا محل لها من الإعراب، يتفق الأهل على موعد الزواج، وتقدم أسرة الفتاة القرابين المسماة “المهر” أو “الشوار” إلى العريس المصون، ويتم الاحتفال فى جو بهيج من “التلزيق” الأسرى بهذا الزواج الصالوناتى المدبر عن سبق الإصرار والترصد.

هل وصلتك الصورة الهندية المشابهة للصورة المصرية عن زواج البنات؟ حسناً، قس على ذلك بقية التقاليد الخاصة بالفتيات هنا وهناك. ومع ذلك، وهذا هو لب الموضوع هنا، فهناك عدد كبير من الفتيات اللاتى يقدن الدراجات النارية والسكوتر بمختلف أنواعه فى شوارع نيو ديلهى، العاصمة المختنقة مرورياً ربما بصورة أفدح منها فى القاهرة. يكفى ان تقف فى أى إشارة مرورية بشارع رئيسى حتى تلاحظ ان هناك على الأقل 3 أو 4 صفوف من الدراجات النارية تصطف خلف خط عبور المشاة، ومنها نسبة كبيرة من الفتيات. ومن المشاهد المبدعة فى ذلك، تلك اللوحة الفنية الفلكلورية التى ترى فيها إحدى الفتيات تقود الدراجة وهى ترتدى الملابس الهندية الفضفاضة المميزة بألوانها الزاهية، وتختفى رأسها تحت الخوذة بينما تتدلى من تحتها ضفيرة طويلة من الشعر الأسود الناعم المصبوغ بلون الحناء.

The All Women Bike Rally organised by Nav Bharat Times on International Women`s Day to give the message of women empowerment and celebrated of their freedom, in New Delhi on March 08, 2014. (Photo: Amlan Paliwal/IANS)

الدراجات النارية المختلفة، والتى تعتبر الشركات الهندية من أكبر مصنعيها فى العالم، هى مجرد وسيلة اختارها شباب الهند اليوم من الجنسين للتغلب على إزدحام الشوارع والاختناقات المرورية المستفحلة بالعاصمة، وبالتالى هذا المنظور العملى البحت فرض نوع من التقبل الثقافى الواسع بين الشعب لقيادة النساء لها ولم يتعارض ذلك مع طبيعة الشعب المحافظة.  حتى أنه فى عام 2010، رصدت الشركات المصنعة للدراجات النارية بالهند زيادة تتخطى ال 40% فى حجم مبيعاتها للنساء.  وتطور الأمر إلى ان وصلنا فى العام الحالى 2014 إلى مشاهدة رالى للدراجات النارية أقيم عبر 13 مدينة هندية مختلفة، وشاركت فيه أكثر من 3300 فتاة وسيدة هندية.

1362999440-all-womens-bike-rally-in-new-delhi_1860417

أتمنى حقاً ان يأتى اليوم الذى نرقى فيه إلى ثقافة استخدام الدراجات النارية بهذهالصورة المشرفة التى قدمتها فتيات الهند للعالم.

أما عن القرار المصيرى الذى اتخذته بعد تفكير عميق، فلذلك قصة آخرى فى الحلقة القادمة. تابعونى 🙂

شيرين عادل

10 May 2014

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s