Monthly Archives: April 2014

مذكرات الفزبا الحمرا – (2) أبى فوق الهارلى

Standard

Scooter Diaries - Banner

الحلقة الثانية: أبى فوق الهارلى!

مارس 2013 … يوم ممل آخر من أيام العمل التى تدوربلا انقطاع كطاحونة هواء فى شتاء دائم. يصلنى ايميل يحمل علامة النشرات العامة، تلك النوعية من الايميلات التى نادراً ما نكترث لها كموظفين، ويكون مصيرها فى الأغلب هو ضغطة صغيرة على مفتاح Del تلقى بها إلى غياهب سلة تدوير المهملات. إلا ان العنوان هذه المرة جذب اهتمامى بشكل خاص، واستوقف سبابتى فى منتصف طريقها إلى المفتاح الماحى الرهيب.

Riders Club .. كانت الكلمتين اللتان دفعتانى لفتح الايميل، فإذا به يحمل دعوة للقاء تعارف بين كل هواة وممارسى رياضة ركوب الدراجات بمختلف أنواعها، نارية وهوائية، من موظفى الشركة الكرام. حسناً، لم أكن يوماً من هواة هذه ولا تلك، ولكن الدراجات النارية أو الموتوسيكلات بالذات أحمل لها نوع غريب من الحنين الذى تمكن من قلبى وجعل عيناى تومض بالقلوب الحمراء، وتشع حول رأسى هالة بألوان قوس قزح كلما ذُكرت أمامى أو رأيت أحدهها. هذا بالرغم اننى لم أركبها فى يوم من الأيام ولو على سبيل التجربة، ولم أحاول حتى ان أقترب منها من قريب أو بعيد.

بيد ان ما ذكرته لتوى ليس صحيحاً بشكل كامل. فالحقيقية ان الموتوسيكلات قد احتلت جزء مميز من وجدانى منذ ان وعيت السمع والإبصار أصلاً. بل ان كلمة “فسبا” نفسها هى – صدق أو لا تصدق – من أوائل الكلمات التى نطقت بها على الإطلاق قبل حتى ان يستوى لسانى بكلام مفهوم!

كنت –ومازلت – طفلة عنيدة بطبعى، كنت أرفض تناول الطعام فى أغلب الأحيان، وكان على والداى محايلتى فى كل وجبة، تارة بإلهائى فى لعبة ما، وتارة بإظهار الغضب والتعنيف – واليوم اتلقى كل التعنيف بسبب كثرة أكلى وزيادة وزنى، وهذا إن دل فإنما يدل على انك لا تستطيع إرضاء أهلك أبداً يا صديقى! – وكان من جملة ما أخترعه والدى من أساليب المحايلة، هو وضعى على الإفريز الداخلى لأحد الشبابيك العملاقة فى بيتنا عتيق الطراز، وإلهائى بذكر لون السيارات المارة فى الطريق، فأصير أكرر من ورائه بحروف مكسورة: “عبّية – أى عربية” – حمرا” … عبّية صفرا. وهكذا. إلى ان تمر “فسبا” فأنطقها بسهولة، وبنفس درجة الحماس المنعكسة فى صوت أبى نفسه!

            نعم، كان أبى يعشق قيادة الدراجات النارية، تلتمع عيناه حين يتحدث عنها، وتعلو وجهه ابتسامة مشرقة كمن يفكر فى حبيبته كلما ورد ذكرها أمامه. وان لم يكن هذا العشق قد انتقل إلى عبر الجينات، فلابد انه انتقل إلى بسبب التعرض المتواصل طوال سنوات طفولتى الأولى لكمية مكثفة من محفزات الذاكرة المتعلقة بالدراجات النارية، إما عبر حكايات أبى التى لا تنتهى عنها، أو عبر الصور الفوتوغرافية التى يمتلكها.

            فحين كبرت قليلاً ونمت قدرتى على الإستيعاب، نما لدى معها ولع غريب بالصور الفوتوغرافية، وكان أبى يمتلك منها العشرات، بل المئات. صور أبيض وأسود ذات برواز أبيض بهتت أطرافه وعلاها الإصفرار، يحمل معظمها وجه أبى فى مراحله العمرية المختلفة، بين أسرته وعائلته تارة، وأصدقائه أو زملاؤه فى العمل تارة آخرى. كان أبى يحتفظ بتلك الصور فى درج خاص يمتلك هو وحده مفتاحه، وكنت ألح عليه كل فترة ليسمح لى بالإطلاع عليها، فيخرجهم بحرص شديد، ويشرف على عملية إطلاعى عليهم، مشاركاً أحياناً بوصف المكان الذى التقطت فيه هذه الصورة أو تلك، أو صلة القرابة بينه وبين الرجل الواقف بجواره، وربما توقف عند صورة بعينه فيضحك لأنها ذكرته بموقف طريف فيحكيه لى.

وكان من أكثر هذه الصور القديمة تميزاً، تلك التى يظهر فيها أبى وهو فى العشرينات من عمره، مرتدياً ملابس صيفية ناصعة البياض، وقد استقر فوق “فسبا” عتيقة الطراز، وإن دلت حالتها على انها كانت حديثة “ع الزيرو” وقت إلتقاط الصورة، بينما يشير التاريخ المختوم بخاتم عتيق على خلفية الصورة انها قد التقطت فى سبعينات القرن الماضى.

644619_477308799008673_1846908144_n

ثم هناك صورة آخرى، يبدو فيها أبى أكثر شباباً، حيث لم يتعدى السابعة عشر من عمره تقريباً، وقد خط شاربه، وجلس فوق موتوسيكل “هارلى ديفيدسون” يبدو شديد الضخامة مقارنة بجسده شديد النحول، وقد استقر حذائه الجلدى بنى اللون الذى تحمل مقدمته اللون الأبيض مثل أحذية أنور وجدى على دواسة ناقل السرعة اليسرى فى وضعية تحمل أعتى علامات الإفتخار والكبرياء، بينما تبدو من خلفه الكبائن الخشبية التى كانت تميز شاطىء ميامى بالإسكندرية فى تلك الحقبة من الخمسينات.

DSC05242

وإن كان أبى قد أخفى عنى الكثير من مغامراته الشيقة فى تلك الفترة من عمره، إلا ان أبناء عمومتى الذين عاصروا تلك الفترة قد “فتنوا عليه”، فروا لى الكثير من الحكايات الطريفة. منها مثلاً ان عمتى وابنتها كانتا يركبان الترام ذات يوم – وكان وقتها يمر عبر شارع شبرا الرئيسى – فإذا بجميع من فى العربة يتجه إلى النوافذ اليمنى وقد اتسعت أعينهم فى اندهاش – وربما ذعر – كان هناك شاب قد انتصب واقفاً فوق موتوسيكل وهو ينطلق بسرعة فى محاولة للتسابق مع الترام! علقت عمتى متسائلة “مين الواد المجنون ده؟ حد يخاطر بنفسه كده؟” … فما كان من ابنتها إلا ان أجابتها فى بساطة: “ده أخوكى!”.

لا يمكننى الجزم بمدى صحة تلك الواقعة وغيرها بالقطع، لسبب بسيط هو أن أبى يصر على إنكارها، ربما ليحتفظ بالحق فى تقريعى على تهورى وجنونى، خاصة وقد فلت العيار ولم يتمكن من إثنائى عن ركوب الموتوسيكلات نفسه، وربما هو يصر على الإنكار خوفاً من ان يتطور اهتمامى من مجرد ركوبى للموتوسيكلات، إلى الإتيان بحركات بهلوانية كما كان يفعل هو منذ عدة عقود.

10006925_637167369689481_299878878_n

وسواء انتقلت القدرات البهلوانية مع نفس جينات قيادة الموتوسيكلات فى دمى أم لا، تبقى الحقيقة الجلية ان تلك الصور الخاصة بال”هارلى” الذى امتلكه أبى يوماً ما وهو بعده شاب غرير يتلقى مصروفه من أبيه، و”الفسبا” التى إشتراها من حر ماله فيما بعد حين دعته الظروف إلى ذلك، قد ظلت عالقة فى ذهنى لفترة طويلة، وقد شكلت جزء غير يسير من ذكريات طفولتى الأولى، ورغم ذلك، لم تراودنى نفسى إطلاقاً طوال تلك السنوات ان اتبع سنة أبى فأتحول بنفسى إلى ركوب الموتوسيكلات. هذا إلى ان كان ذلك اليوم الذى وصلنى فيه الايميل اياه، وذهبت للقاء أول “ركّيبة” موتوسيكلات عرفتهم فى حياتى بعد “الركيّب” الأول، ومعلمى الأول – حتى لو كره هو اليوم ان يكون سبباً فى ركوبى للموتوسيكل – أبى العزيز عادل حليم.

شيرين عادل

28 April 2014

Advertisements

دليلك للاقامة في فنادق الاربع وخمس نجوم بمصر المحروسة

Standard

1       جنسيتان حاول قصاري جهدك متتقابلش معاهم في المطعم ابدا: المصريين والروس. الاولانيين بيدخلوا المطعم مع بدأ إشارة الانطلاق ويصروا علي اكمال الماراثون حتي النهاية او حتي الترجيع من كتر الاكل. التانيين عندهم استعداد يدخلوا ماتش ملاكمة مع اي حد واقف قدام اي نوع من الاكل طالما هم عايزين من الاكل ده. توقع ان حد منهم يزيحك بايده عادي جدا او يلكزك كوع ومش هيرمش له جفن.

2لو عندك صداع … حاول متحتكش بايطاليين .. هم شعب ودود جدا .. ربما ودود زيادة عن اللزوم … ورغااااااااي رغي كريم الحميدي علي راديو مصر بالظبط. لو وقعت في ايد حد منهم مش هيسيب ودانك … والمشكلة هنا انك نادرا ما هتقع مع واحد بس .. لا .. هتقع في قرطة منهم … لان افراطهم في الاجتماعية يحتم عليهم المشي في مجموعات مثل البطاريق تمام.


3لو لقيت واحدة شقرا او واحد ابيضاني جاي في وشك واتقابلتوا في طرقة ولا ممر في اي حتة في الفندق .. ولقيته بيبصلك بارتياب شديد وبعدين يحاول يبص في حتة تانية بعدين يرجع يبص لك في ارتياب … وتستمر العملية دي لحد ما يعديك .. ومن ثم تسمع زفرة صادرة عنه تخليك تسأل نفسك: هو انا بخوّف للدرجة دي؟ .. تأكد تماما ان الشقرا دي مجرد واحدة مصرية بس لا مؤاخذة صابغة … والابيضاني ده مجرد مصري عنده اختلاط في الجينات بسبب اختلاط نسبه بانساب الفرنسيين ابان الحملة الفرنسية علي مصر مش اكتر. عرفنا الكلام ده بقي منين؟ مفيش اجنبي ايا كانت جنسيته لو جت عينك في عينه مش هيبتسملك او يهز راسه بتحية خفيفة .. دا ان ما قالش هالو او تحية صباح او مساء. المصري هو المخلوق الوحيد علي الكوكب اللي مولود في فيلم the walking dead ومقتنع تماما ان كل اللي حواليه zombies ممكن يهجموا عليه ويعضوه في اي لحظة. بالتالي يمكننا تفسير مدي توتره لما بيقابل حد من نفس جنسه .. فبيضطر يمثل ان هوه نفسه زومبي .. يضرب وش خشب ويحاول يبعد عينه عن عينيك .. ويمشي مشية جد كانه من جنود النازي.

4لو الفندق اللي انت نازل فيه فيه اكتر من عيلة واحدة مصرية بعيلين علي اقصي تقدير .. لم شنطك واعمل تشيك اوت فورا. المصريبن مش بيربوا .. المصريين حدود علاقتهم بعيالهم تنتهي عند تلبية الاحتياجة الفيزيائية فقط لا غير .. احنا نأكّل ماشي .. نغيّر بامبرز قشطة … نضرب الواد قلمين علي وشه عشان تف البيضة اللي دفسنهاله في بقه غصم واقتدار يجوز .. لكن نربي لأ .. هو لو المصريين ربوا يبقي سبنا ايه للزمن يعمله؟ … المصري الاصيل شعاره: اطلق العيال وريح دماغك واستمتع باجازتك … سيبهم يلعبوا في زراير الاسانسير لحد ما يخربوه … ويجروا في كل مكان يوقعوا شنط الناس .. ويدوسوا علي رجل الناس … ويلحوسوا كل حتة باكلهم وشربهم ومخاطهم وكل سوائل جسمهم المختلفة. كل ده وانت عامل نفسك مش واخد بالك.

    5تعرف منين الفندق اللي ادارته اجنبية من اللي ادارته مصرية؟ راقب تصرفات الموظفين والعمال. لو لقيت مثلا العامل واقف في آخر الطرقة وفاتح جعورته علي 1500 وات وبينادي علي زميله: “يا حسيييين … شوف عندك غرفة 510 كات عايزة ورق مناديييييه” … ايوة ان ذنب ودن امي ايه انكم سكنتوني جنب غرفة 510 اللي عايزة مناديه دي؟ دي طبعا ادارة مصري صرف … الادارة الاجنبي اللي بتتمتع بالظبط والربط لو المدير سمع فيها الحوار الشيق ده هيرفدهم رسمي. الصوت العالي همجية وغوغائية مينفعش تحصل في فندق محترم. موقف تاني: لاحظ تصرفات الندلاء في المطعم .. لو بيتجمعوا علي جنب ويقفوا يهزروا ومحدش فيهم معبر الناس اللي قاعدة .. دي ادارة مصري … حيث الموظف الفهلوي يحاول تقديم اقل قدر من المجهود وقضاء وقت لطيف مع زملائه (ويا حبذا لو كنّ زميلاته) مش اكتر.

 6يا ويلك يا سواد ليلك لو تصادف وجودك في فندق يستضيف فوج من شركة او نادي او مؤسسة مصرية .. العبي يا العاب بقي .. الفرج ده بيكون الغالبية العظمي منه تصرفاتها تصرفات شبعة من بعد جوعة .. ومتفهمش بقي ان كان ده نابع من كونهم فعلا معتبوش فنادق نضيفة قبل سابق … ولا من كونهم ببنتقموا من المؤسسه او الجهة اللي بعتاهم ودافعة فلوس اقامتهم من منطلق: اهو اللي ييجي من عينيهم! .. انا مش هتكلم عن “الكيسة السمرا” والاطباق التي تتخذ شكل برج بيزا المائل من فرط ما عليها من طعام والمهازل الحضارية اللي بتحصل في كل مرة بيدخلوا فيها المطعم … ولا الصدمة العصبية اللي بتبان علي وشوشهم لما بييجوا يعملوا تشيك اوت ويكتشفوا ان كيسين السوداني والشوكلاتية المارس وعلبتين البيبسي اللي ضربوهم اول ما دخلوا الاوضة تمنهم حوالي 150 جنيه .. ولا محاولات نزول البيسين فلح-ستايل: الرجالة بالفانلة الحمالات عشان التسلخات وكدزه .. والولية بالمايوه الشرعي اللي بيخليها عاملة زي الغواصة البرمائية وهي بتبلبط في الحتة بتاعة الاطفال وبتتقلّب يمين وشمال علي ارض الحمام زي السمكة البلطي المصابة بالقولون العصبي. ولا هتكلم عن الرجالة السناجل (وساعات المتجوزين وحياتك) ومحاولاتهم البائسة المثيرة للشفقة للفت انتباه اي حاجة اجنبية معدية حتي لو كانت من مخلفات الحرب العالمية الاولي مش التانية. ولا هتكلم عن الشو الروسي وحالات الريالة اللا ارادية اللي بتحصل للرجالة .. ووشوش الزوجات اللي بتتقلب قلبة الشراب المقلوب وهم قاعدين بيتفرجوا ع المزز الروسي وكل شوية يبصوا لجوازتهم بطرف عينهم ولسان حالهم بيقول: “شوف ياختشي الراجل مبحلق ازاي في شوية الابراص المخلية اللي بتتلوي زي التعابين دي. اللي ما في حتة لحم توحد ربنا غيرش عضم ف كل حتة. جتهم القرف في الرجالة واذواقهم العرة”. تقولها وهي تعدل من لفة الازبانيش اللي قامطة بيها شعرها وتتسائل في سرها عما سيقدمه الفندق في عشاء الغد وتمني نفسها بطبق كبير من اللحم المشوي والديك الرومي.

مذكرات الفزبا الحمرا – (1) الشخليلة ولا اليويو

Standard

Scooter Diaries - Banner

 

الحلقة الأولى: الشخليلة ولا اليويو

  فى سنة 2006 تقريباً، توجهت مع أبى وأمى إلى أحد معارض السيارات القريبة فى مدينة نصر. وذلك لمعاينة بعض السيارات هناك، بنية شراء سيارة جديدة طبعاً. كنت قد حصلت منذ عدة شهور على وظيفة من التى يطلقون عليها “محترمة” – على أساس ان ما دونها هو الرقص أو ما هو أسوأ؟ – وصار لى دخل ثابت من الذى يطلق عليه “محترم” كذلك – كأن ما دونه هو نقطة أفراح ايضاً! – فأخذ والدىّ فى الإلحاح المتواصل لإقناعى بتغيير سيارتى القديمة نسبياً بأخرى جديدة خاصة وان الأقساط تناسب مرتبى ولن ترهقنى كثيراً. نعم أنا فتاة مدللة وحيدة أبواى، صحيح، لكن التدليل لا علاقة له بالأمر هذه المرة، فالبنوك الآن تقوم بدور رائع فى تدليل كل مواطن مصرى بوجه عام، من خلال خدمة “قرض السيارة”، الذى يتيح لأى موظف الحصول على سيارة جديدة مقابل اقتطاع جزء لا بأس به من مرتبه لفترة قد تطول لتصل إلى ورثة الجيل الخامس من أحفاده! وبالمناسبة، أنا اعتبر البنوك بخدمتها هذه هى السبب المباشر فى تدهور أحوال المرور فى الشارع المصرى، حيث وفرت بالفعل “سيارة لكل مواطن” … حرفياً! فى أوروبا مثلاً، هناك بعض الدول التى تفرض قوانينها ضرائب ضخمة على كل سيارة زائدة عن السيارة الأولى لكل أسرة، أى من حق كل أسرة ان تمتلك سيارة واحدة فقط بضريبة عادية بسيطة، أما لو أراد أكثر من فرد فيها ان يمتلك سيارته الخاصة، فعليه ان يتحمل ضرائب طائلة من أجل ذلك.

هكذا يا سادة، ضاربة بتلك القوانين الأوروبية اللئيمة عرض الحائط، عدت إلى ذلك المعرض الفخم فى أرض الوطن، حيث رحب بنا مسئول المبيعات ترحيب مبالغ فيه كالعادة وكأن هذا الترحيب كفيل بأن نقول له “أعطينى ست حبات” على رأى “أحمد مكى”، ثم لم يلبث ان اصطحبنا فى جولة بين السيارات المعروضة: هذه السيارة الزرقاء بها جميع الكماليات ولكنها مانيوال، وتلك الذهبية بها نصف كماليات لكنها أوتوماتيك، وإذا دفعت مبلغ “س” كمقدم يكون القسط “ص” .. إلى آخر “حسبة البرمة” التى لابد ان يخوضها كل من سعى لشراء سيارة “زيرو”. قديماً قال أحد الحكماء: إذا أردت ان تدفع إمرأة إلى الجنون، فأعطها عدة خيارات. أعتقد ان الرأسمالية الحديثة تدفع الجميع – وليس النساء فقط – إلى الجنون بصورة بطيئة ويومية. ان مبدأ “الشخليلة ولا اليويو” صار كابوساً حقيقياً يطاردنا فى كل خطوة نتخذها.

17885045-illustration-of-car-sale--a-customer-choosing-a-car-of-his-her-choice-from-different-types-of-cars-o

أخذت اتنقل بين السيارات، دون ان يكون لدى أدنى فكرة عن نوعية السيارة التىأرغب فيها حقاّ. بالنسبة لى، وأعتقد بالنسبة للغالبية من النساء بوجه عام، الموضوع يتعلق بالشكل لا بالمضمون. عملية اختيار سيارة تقتصر على بعض المفردات الأساسية البسيطة التى تعبر عن شيئين لا ثالث لهما. الأول هو اللون؛ مثل “أحمر”، “أزرق”، “أخضر”، إلخ، إلى جانب عدد من الألوان التى يعجز الرجال عن رؤيتها بقدرات أعينهم المحدودة التى لا ترى سوى الألوان الأساسية فقط، من تلك الألوان التى يراها النساء دون الرجال مثلاً: “البيستاج” (الذى يختلف قطعاّ عن الأخضر الزرعى) و”البترولى” (الذى هو لون مائع يتأرجح متردداً بين الأخضر والأزرق) و”الفوشيا” (الذى يختلف جذرياً عن البمبى) و”الليلا” (الذى يختلف تماماً عن كل من “الموف” و”البتنجانى” و”البربل” – البربل ده اللى هوه البتشنجانى برضو بس برقة ودلع). أما الشىء الثانى الذى يعتمد عليه اختيار الأنثى لسيارتها فهو شكل السيارة أو حجمها، مثل “السيدان” أو”الهاتشباك” أو ببساطة “العربية العالية” (وهذه كلمة مطاطة تندرج تحتها أى سيارة ذات سقف مرتفع نسبياً بغض النظر عن كونها دفع رباعى أم لا).

هذه المفردات السهلة الممتنعة لا ترقى بالطبع إلى طموحات الرجال، الذى يرتفع سقف مطالبهم فى السيارة إلى أشياء تقاس بالسعة اللترية وعدد السلندرات ونظام الفرامل إلخ إلخ. ربما كان الاستثناء الوحيد الذى عرفته فى حياتى هو ذلك الصديق الذى اختار سيارته بناءاً على صلاحية عجلة القيادة للاستخدام كطبلة! كان صديقى هذا متردداً بين سيارتين، فحسم أمره أخيراً بأن جلس وراء عجلة القيادة فى كل منهما، وأخذ ينقر الجزء الذى يصل بين اللوحةالأمامية (التابلوه) وعجلة القيادة، ففازت بملكيته لها تلك السيارة التى أتاحت له صوت أعلى وسهولة أكثر فى التطبيل!

المهم، وأنا فى خضم هذه الصراعات النفسية المريرة ما بين السيارة الزرقاء الهاتشباك كاملة الكماليات ذات السعر المعقول، وتلك السيدان الذهبية الأوتوماتيك ناقصة الكماليات، وإذ بعينى تقع عليه للمرة الأولى (جدير بالذكر هنا أنى لم أكن مرتبطة فى تلك الفترة!).

كان أصفر اللون كبدلة “هنيدى” فى فيلم “صعيدى فى الجامعة الأمريكية”، أى “واقع فى برطمان مسطردة” كما سخرت منه “منى ذكى” فى الفيلم كذلك. دواخله سوداء أنيقة، وكرسيه مكسو بالجلد الأسود اللامع. غمز لى بفانوس إشارته اليمين، فإذا بى أتقدم نحوه لا إراديا كما لو كانت به قوة مغناطيسية هائلة.  وضعت يدى على مقبضه فى رهبة، وتسمرت أمامه فى لحظة صمت مطولة، وكأننى أقف فى محراب لوحة فنية عميقة. انتزعنى من جلال الموقف هذا صوت مسئول المبيعات الذى اقترب منى وهو مازال يشرح فى مميزات سيارة ما لم يعد لدى أدنى اهتمام بها الآن، فقاطعته فى حزم: “بكام دا؟”. تسمر هو بدوره وفغر فاه للحظة، ثم تمتم متردداً وهو ينظر إلى والدى فى توجس: “ستة آلاف!”. عندها تهلل وجهى والتفت إلى أبى متسائلة فى براءة: “طب ماله ده؟ رخيص وشكله شيك ومش هضطر أدفع حتى أقساط. ده كله على بعض مايجيش نص تمن مقدم عربية!”. لو كان التريث والحكمة قد منحانى الوقت الكافى لتأمل تأثير كلماتى على والدىّ لتوقعت ان يسخرا منى أو حتى بافتراض أقصى درجات الأحلام الوردية لتوقعت ان يناقشانى فى الأمر فيلقيا على مسامعى تلك المحاضرة المطّولة عن عدم ملائمة ركوب دراجة نارية لثقافة مجتمعنا، أو عن خطورة القيادة فى مصر، أو حتى عن المستوى الإجتماعى، إلخ. لكن الحقيقة ان رد فعلهم فاق حتى أكثر توقعاتى جموحاً. لقد سمعا سؤالى البرىء، فالتفا بهدوء شديد إلى مسئول المبيعات وأكملنا أسئلتهما الشيقة عن الفروق الأساسية بين السيارة الزرقاء الهاتشباك كاملة الكماليات ذات السعر المعقول، وتلك السيدان الذهبية الأوتوماتيك ناقصة الكماليات!

أنتهت رحلتنا القصيرة إلى معرض السيارات بقرارين هامين، أولهما أننى لن أتطرق إلى موضوع قيادة سكوتر أو دراجة نارية مرة آخرى – على الأقل حتى حين. ربما ليقينى التام انه من رابع المستحيلات ان يسمح لى أهلى بذلك. وربما ايضاً – وهو السبب الأقرب إلى الحقيقة – هو أننى لم أكن مقتنعة تماماً بالفكرة فى تلك الفترة، ولم تتمكن منى الرغبة التامة فى قيادة دراجة نارية التى قد تدفعنى للاقدام على ذلك. لم أكن أعلم وقتها ان الأمر سيتطلب سبعة سنوات كاملة، وكثير من الأسفار والترحال، وزواج وبيت و”إستشيكرار”، وثورة وانقلاب وثورة ثانية وانقلاب آخر (ثورة حقيقية فى البلاد وانقلاب عسكرى وليس تعبير مجازى!) حتى أقدم على إتخاذ تلك الخطوة المهمة فى حياتى، فأقوم بشراء “سكوتر” فى أحد أيام 2013، بنفس السهولة التى أشترى بها كيس المناديل فى إشارة المرور. ولذلك قصة آخرى.

آه. نسيت ان أذكر ان القرار الثانى الذى اتخذته فى ذلك اليوم هو ألا أشترى سيارة جديدة إطلاقاً. لقد تمردت على فكرة الإختيار فى حد ذاتها وألقيت بالشخليلة واليويو كلاهما فى أقرب صفيحة قمامة. ومازالت سياراتى المدعوة “صابرين” صابرة ومثابرة معى حتى لحظة كتابة هذه السطور 🙂

شيرين عادل

24 April 2014